خدمة العملاء والمبيعات

(+971) 4 424 3066

 

لطلبات الترجمة على مدار الساعة

hello@al-arabic.com

 

انطلق كاتب هذه السطور في مهنة الترجمة العربية منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاماً. في تلك السنوات، لم يكن الإنترنت متوفراً كما هو اليوم، وكانت مهنة الترجمة تعني أن تمتلك مئات الكتب والمراجع والموسوعات (ومنها ما لا زلت أحتفظ به إلى اليوم)، كما كانت تعني الحديث مع مئات المتخصصين من مختلف المجالات والقطاعات. اليوم، تعوض الشبكة العالمية عن جزء غير قليل من هذه الأساسيات، إلا أن ما لم يتغير منذ تلك السنوات وحتى اليوم هو حاجتنا كمترجمين عرب إلى مرجع جامع وممارسات أكاديمية عصرية في مهنتنا، مهنة التواصل والكلمة والمعرفة.

 

في إحدى مقابلاتي التلفزيونية، كان الحديث حول أسباب ابتعاد الشباب العربي عن لغته الأم وإغراقه في استخدام اللغات الأجنبية، وكان من بين الأفكار التي طرحتُها في ذلك اليوم أن الطفل في المدرسة ينتقل من حصة العلوم حيث يجري التجارب العلمية الممتعة، إلى حصة اللغة الإنجليزية حيث يغني ويمرح ويلعب ألعاباً تعليمية، وحصة الجغرافيا حيث يستمتع باستكشاف الأرض، إلى حصة اللغة العربية، حيث ينتقل فجأة إلى كُتَّاب تحت شجرة زيتون في القرن السابع عشر، ومدرِّس يحمل العصا ويردد: "أبجد هوز حطي كلمن".

 

صحيح أن العمل كمترجم هو أحد الأعمال التي يصعب التذمر من رتابتها وذلك بفضل تنوع المحتوى وغنى المعلومات التي يطالعها المترجم خلال عمله كل يوم. غير أن الملل ماهرٌ في التسلل إلى أي مهنة مع مرور الوقت ليسرق الحماس الذي رافق كتابة ترجماتنا الأولى.

 

في إحدى الجلسات العائلية مؤخراً، كنا نتحدث عن اللغة العربية وأفضالها والصعوبات التي تواجهها، وكانت فيروز على التلفاز تغني موشحها الأندلسي الأجمل "جادك الغيث"، وبينما كان والدي يدندن الشطر القائل "سدد السهم فأصمى إذ رمى"، تحدثتُ أنا عن مخاطر النظر إلى اللغة العربية على أنها اللغة الأكمل والأجمل في العالم، وأنها خالية من الثغرات وتامة بذاتها دون الحاجة للعمل عليها. حينها قال والدي: "وهل يمكن للإنجليز مثلاً أن يفهموا ما يقول شكسبير إذا ما نهض من موته اليوم، كما نفهم نحن ما قاله عنترة بن شداد قبل ألفي عام؟" فأجبته، شاكراً الصدفة السعيدة: "وماذا يعني سدد السهم فأصمى إذ رمى، وقد قيلت بعد عنترة بألف عام؟"

بقلم الياس مهنا
المصدر: The New Yorker - رابط المقال الأصلي
مصدر الصورة: الياس مهنا
ترجمة: عبدالرزاق يوسف - تدقيق وتحرير: نصر أنقر - الأرابيك

قامت الأرابيك بترجمة ونشر هذا البحث اللغوي الجديد للكاتب الياس مهنا، آملين أن تساعد دراسة أصول لغتنا العربية في تطويرها لمواكبة العصر والتخلص من الممارسات القديمة في عالم المحتوى العربي. محتوى المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي مؤسسة الأرابيك بل يعبر عن رأي الكاتب.


ظهرت قبل بضع سنوات مجموعة صخور تحمل نقوشات قديمة أثارت اهتمام المجمّعات اللغوية حول العالم، وخاصة أحمد الجلاد، أستاذ اللغة العربية واللغات السامية في جامعة ’لايدن‘ بهولندا، والذي استلم صوراً لمجموعة الصخور من أستاذه مايكل ماكدونالد. ومن بين تلك الصخور، لفتت صخرة صغيرة اهتمام الجلاد إذ كانت مغطاة بعلامات تشبه أحرف الأبجدية الرونية، مرسومة بأسلوب كتابة يدعى "البوستروفيدون"، وفيه تتناوب بداية كتابة الكلمات في الأسطر مرة من اليمين ومرة من اليسار. كانت تلك النقوش عبارة عن حروف من الأبجدية الصفائية التي شاع استخدامها في شمال شبه الجزيرة العربية منذ ألفي عام، ويعتبر كل من الجلاد وماكدونالد من قلائل اللغويين اللذين يجيدون قراءة هذه الأبجدية. بدأ الجلاد بنسخ النص، وخلال بضع دقائق، اكتشف أن تلك الصخرة تشكل قطعة مفقودة مهمة للغاية لحل اللغز التاريخي الذي ما انفكّ يعمل عليه لسنوات.